Fakebook: استعراض هوليوودي طيّر القضية!
يطرح فيلم «فيك بوك» تغلغل المخدرات في المدارس، لكنه يحوّل القضية إلى ذريعة لفيلم بوليسي تجاري. يركّز على ضابط يسعى إلى إنقاذ ابنته عبر تجاوز القانون. الإخراج استعراضي بلا توتر، والشخصيات نمطية وحواراتها خطابية، فتضيع الفكرة الأساسية


يقدّم الفيلم اللبناني Fakebook (كتابة وإخراج إيلي ف. حبيب ـ بطولة عبده شاهين وبديع أبو شقرا وكارلوس عازار وأمل طالب وغيرهم) نفسه بوصفه عملاً جريئاً يقتحم إحدى أخطر القضايا الاجتماعية: تغلغل المخدّرات في الأوساط المدرسية.
ثيمة ثقيلة، حسّاسة، ومشحونة أخلاقيّاً، كان بمقدورها أن تفتح آفاقاً لمعالجة سينمائية عميقة تفكك آليات الإغواء، وتكشف هشاشة الطفولة وتواطؤ المنظومات التربوية والأمنية والسياسية. غير أنّه منذ فصوله الأولى، يتنكر الفيلم لهذا الوعد. إذ يحوّل قضيّته الجوهرية إلى مجرّد ذريعة درامية (MacGuffin) ليغرق في نمط الأفلام البوليسية التجاريّة التقليديّة التي تفتقر إلى الابتكار في الشكل والمضمون على حد سواء.
من القضيّة إلى البطولة الفردية
يتناول الفيلم حكاية «رواد» (عبدو شاهين) الضابط «البطل» الذي يصارع الزمان لتأمين كلية تنقذ حياة ابنته، ولو اقتضى الأمر القفز فوق سلطة القانون. هكذا تُختزل المشكلة البنيوية المعقّدة في سردية فردية ذات طابع عاطفي تسوّغ كل التجاوزات باسم الأبوة والتضحية. وبذلك، يضيّع الفيلم بوصلته، فتصبح تجارة المخدرات وترويجها في المدارس، خلفيةً باهتة لإنتاج صورة «الضابط المُخلِّص»، في إعادة تدوير صريحة لكليشيه معروف: الفرد الصالح في مواجهة المنظومة الفاسدة.
فخّ المصادفات المفتعلة: ركاكة القدر السينمائي
تتجلى هشاشة السيناريو في ذروتها عند الاعتماد المفرط على المصادفات القدرية لسد ثغرات الحبكة، وهي سقطة درامية أفقدت العمل منطقه الداخلي.
أخفق الفيلم في أن يكون «سينما اشتباك» مع واقع معقّد
يبدو القدر في Fakebook محرِّكاً اصطناعيّاً بامتياز. فالمصادفة التي ربطت هوية «المتبرع بالكلية» بـ «الفتاة المخطوفة» ليست سوى محاولة قسرية لربط خيوط القصة المبعثرة. هذا الربط المفتعل يحول التراجيديا المفترضة إلى «ميلودراما» رخيصة، حيث تذوب احتمالات الصراع الحقيقي لمصلحة ترتيبات هندسية وضعها المؤلف بافتعالٍ يجعلُ المشاهد يشعر بـيد الكاتب وهي تحرك الشخوص كقطع شطرنج، وليسَ كبشر مدفوعين بضرورات المنطق أو الواقع.
إخراج استعراضي بلا توتر
إخراجيّاً، غرق الفيلم في هوس محاكاة نموذج «الأكشن» الهوليوودي المنخفض الكلفة. وبدلاً من خلق توتر درامي متصاعد، تحولت مشاهد الحركة إلى استعراض تقني كشف محدودية الإمكانات بدلاً من مواراتها بالذكاء البصري. مشهد المطاردة الطويل، على سبيل المثال، تحوّل من لحظة ذروة إلى عبء سردي. إطالة مجانية، وخطر غير محسوس، وكأن الكاميرا تكتفي بتصوير سيارة تجوب الطرقات مسرعةً بلا رهانات حقيقية. هنا، لم يخدم «الأكشن» السرد، بل فضحه.
تمثيل كليشيهي واغتراب عن الواقع
عانت الشخصيات من سطوة «النمطية»، فلم تتطور نفسيّاً بل اكتفت بتأدية وظائف آلية مرسومة سلفاً. جاء الحوار خطابيّاً مفتعلاً، غاب عنه الصدق الإنساني لمصلحة جمل «مكتوبة بعناية» لتُقال وليسَ لتُعاش أو تُحسّ. أما الطّفلتان، فقد ظهرتا بوعي وسلوكيات لا تنسجم مع أعمارهما، ما أضعف حالة التعاطف الوجداني معهما وحولهما إلى «أدوات وظيفية» لتحريك المشاعر ليس إلا.
ثغرات المنطق البوليسي
لم ينجُ الفيلم من سقطات المنطق في مشاهده البوليسيّة، بدءاً من الرصاص الذي يخطئ هدفه بمعجزات غير مبررة، وصولاً إلى اختراقه للسرير من دون إصابة الفتاة المختبئة تحته، ناهيك بالقرارات الأمنية العشوائية، والقفزات السردية التي تتجاوز أبسط قواعد التحرّي. هذه الثغرات لا يمكن تبريرها بـالضرورة الدرامية، بل هي نتاج كتابة متعجلة أخفقت في بناء عالم سينمائي متماسك.
نية حسنة... سينما متعثرة
المشكلة الأعمق في Fakebook أنه يريد أن يقول كل شيء دفعة واحدة: المخدرات، الفساد، السياسة، الشرطة، الأبوة، التضحية، البطولة. لكنه يطرحها عبر قوالب جاهزة، من دون رؤية فنية متماسكة أو موقف نقدي أصيل. والنتيجة فيلم مزدحم بالاستعراض الشكلي والثيمات، لكنه فقير بالأفكار والحبكة، ينتهي من دون أن يترك أثراً فكريّاً أو جماليّاً يبقى في ذاكرة المشاهد.
لقد ضيّع الفيلم قضيّته في منتصف الطريق. انطلق من فكرة جوهرية تستحق المعالجة، لكنه فضّل الأمان التجاري، والبطولة الفردية الزائفة على الغوص في جوهر الأزمة. وبذلك، أخفق الفيلم في أن يكون «سينما اشتباك» مع واقع معقد، ليؤكد مرة أخرى على أنّ النية الحسنة لا تصنع سينما، والمعالجة السطحية، مهما كانت صاخبة، لا تُنتج معنى.
* Fakebook في الصالات اللبنانية
